ابن عطية الأندلسي

272

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

تقول الأجذاع انكسرن والجذوع انكسرت » ، ويؤيد ذلك قوله تعالى : إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ [ التوبة : 36 ] ، ثم قال : مِنْها ، وقرأ نافع « فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ » بنصب الجميع ، وهي قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو « فلا رفث ولا فسوق ولا جدال » بالرفع في الاثنين ونصب الجدال ، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع بالرفع في الثلاثة ، ورويت عن عاصم في بعض الطرق ، و لا بمعنى ليس في قراءة الرفع وخبرها محذوف على قراءة أبي عمرو ، و فِي الْحَجِّ خبر لا جِدالَ ، وحذف الخبر هنا هو مذهب أبي علي ، وقد خولف في ذلك ، بل فِي الْحَجِّ هو خبر الكل ، إذ هو في موضع رفع في الوجهين ، لأن لا إنما تعمل على بابها فيما يليها وخبرها مرفوع باق على حاله من خبر الابتداء ، وظن أبو علي أنها بمنزلة ليس في نصب الخبر ، وليس كذلك ، بل هي والاسم في موضع الابتداء يطلبان الخبر ، و فِي الْحَجِّ هو الخبر في قراءة كلها بالرفع وفي قراءتها بالنصب ، والتحرير أن فِي الْحَجِّ في موضع نصب بالخبر المقدر كأنك قلت موجود في الحج ، ولا فرق بين الآية وبين قولك زيد في الدار . وقال ابن عباس وابن جبير والسدي وقتادة ومالك ومجاهد وغيرهم : الرفث الجماع . وقال عبد اللّه بن عمر وطاوس وعطاء وغيرهم : الرفث الإعراب والتعريب ، وهو الإفحاش بأمر الجماع عند النساء خاصة ، وهذا قول ابن عباس أيضا ، وأنشد وهو محرم : وهنّ يمشين بنا هميسا * إن تصدق الطّير ننك لميسا فقيل له : ترفث وأنت محرم ؟ فقال : إنما الرفث ما كان عند النساء وقال قوم : الرفث الإفحاش بذكر النساء كان ذلك بحضرتهن أم لا ، وقد قال ابن عمر للحادي : « لا تذكر النساء » . قال القاضي أبو محمد : وهذا يحتمل أن تحضر امرأة فلذلك نهاه ، وإنما يقوي القول من جهة ما يلزم من توقير الحج . وقال أبو عبيدة : « الرفث اللغا من الكلام » ، وأنشد : وربّ أسراب حجيج كظم * عن اللّغا ورفث التّكلّم قال القاضي أبو محمد : ولا حجة في البيت ، وقرأ ابن مسعود « ولا رفوث » . وقال ابن عباس وعطاء والحسن وغيرهم : الفسوق المعاصي كلها لا يختص بها شيء دون شيء . وقال ابن عمر وجماعة معه : الفسوق المعاصي في معنى الحج كقتل الصيد وغيره . وقال ابن زيد ومالك : الفسوق الذبح للأصنام ، ومنه قول اللّه تعالى : أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [ الأنعام : 145 ] . وقال الضحاك : الفسوق التنابز بالألقاب ، ومنه قول اللّه تعالى : بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ [ الحجرات : 11 ] .